مؤسسة عدن الغد للإعلام | من نحن | هيئة التحرير | اتصل بنا | ارسل خبر | نسخة الموبايل | نسخة القديمة | آخر تحديث للموقع الاثنين 14 أكتوبر 2019 04:17 صباحاً

  

عناوين اليوم
ساحة حرة
الأربعاء 09 أكتوبر 2019 04:36 مساءً

قصتي مع ناصر الوليدي

راجح المحوري

جاء ليجلس في ظل العمارة الذي أعتدت الجلوس فيه عصر كل يوم، لأمارس القراءة بشغف أقل مما صرت عليه بعد تلك اللحظة بمائه وثمانين درجة.

رجل قوي البنية عريض الجبين، ذو عينين مليحيتن، وفيهما شيئا من الحزن يضفي على الوجه البهي جمالا أليفا للنفس.
لحظة فارقة من تلك اللحظات التي تشكل قنطرة للعبور من لزمن إلى زمن آخر..
كنت محتبيا أمام المنزل الذي سكنّاه إلى جوار مسجد عمر بن الخطاب .
وكنت أقرأ في نهايات رواية (سارة) لعباس محمود العقاد، حين رأيت الرجل يلوح لي بيده، بعدما لف الشماغ الأبيض حول ظهره وعقد أطرافه بين ركبتيه مقتعدا الأرض على بعد أمتار مني،
وكان معه رجل آخر نسيت اسمه الآن، غير اني أتذكر شكله تماما فهو طويل القامة شديد البراءة شجي الصوت عندما يتلو القرآن، ودائما ما ياؤم الناس في صلاة الفجر.
سألني الرجل الوسيم الذي أعرفه اماما للمسجد حتى الآن:
ما أسمك؟
راجح المحوري..
أجبته وعرّفت نفسي (كاتب مبتدأ) إستنادا إلى مواضيعي البسيطة التي نشرت في بعض الصحف، فابتسم في غموض فتح في رأسي صمبور تساؤلات، تدفق بأسوأ الفروض..ولكنه قطعه ممتدحا لعائلة المحوري بكلمات لا أتذكرها بالضبط، ولكني أذكر تماما أنني شعرت بالفخر وإن حاولت إخفاء هذا الشعور تواضعا من جانب،
ولكي يبدو مثل هذا الكلام في قبيلتي أمر قد تعودت عليه.
أخذ مني الكتاب بتهذيب ورفع حاجبيه _ لا أدري هل كان ذلك دهشة منه أم جبرا لخاطري_:
_العقاد !
قال فأجبته بأنها رواية سارة وهي جميلة جدا، وأخذت أسرد فكرة الرواية مع التعليق على أسلوب الكاتب
_خذها إذا أردت واقرأها ستعجبك.
التفت لصاحبه وقال عني عبارة لطيفة جعلتني أشعر بشيء من الود تجاهة، ثم وهو يحل عقدة الشماغ في غير عَجَلة:
"أنا جاركم أسكن في هذه العمارة.."
وأشار إلى المبنى القريب من الجامع.
"وأنا أيضا من مودية
وإسمي ناصر محمد الوليدي
إذا ممكن أنتظر، بعد صلاة المغرب وسنخرج أنا وأنت لكي أعرف منك أكثر حول رحلتك مع الكتابة.."
ولم يكن ينقصيني غير هذه الكلمات الأخيرة كي امتشق جناحين من الفرح، وحلق حتى يدفنني الغيم..
ولكني تماسكت وقلت بهدوء
_ أنا سعيد بذلك..
ذهبت على الموعد، فكانت المرة الأولى التي استمع فيها بشكل مباشر إلى حديث هادئ غني ومتوازن، عن أهم قضايا الفكر والأدب، وشرح متناهي الدقة لجذورها، ومنطلقاتها التاريخية، كم هائل من العلومات، ومخزون وافر جدا من الثقافة، وعمق الفهم، وغزارة المعرفة، ووضوح التصور.
كنت منبهرا حقا ولكنني حاولت أن أبدو صاحب معرفة أولاً، وطرفا يضيف لهذه النقاش ثانياً،
ولا أحسبني أضفت شيئا.
الآن أنا متأكد أن الفُتات من العلومات المتشظية التي يحتطبها ذلك الطفل الذي يدلف إلى الشباب للتو، وينثرها أمام الرجل بلا نظام؛ كانت كفيلة بأن تجعله يضحك حتى يستلقي على ظهره،
ولكن صغر السن، وقبله ذهنية الرجل الخبيرة الواسعة، ومعرفته بحماس الشاب الذي يكافح ليظهر نفسه في مكانة محترمة؛ تكفلت بنجاتي،

استمر النقاش تقريبا من طرف واحد إذا اعتبرناه نقاشا أدبيا وفكريا حقيقيا، ولم يقطعه العشاء الشهي، وكان على حساب الرجل بالطبع،
بل ربما إن رائحة السمك المشوي، والخبز جعلت الشاب أكثر حماسا وتدفقا في الحديث.
كانت قد تكونت لدي بعض الثقافة الأدبية، وأصبحت لي قائمتي الخاصة فيمن اقرأ لهم، وإن كنت أغير وأبدل من ساعة لأخرى، إلا أن ما حدث بعد ذلك كان إنقلابا في إتجاهات ذوقي، وميولي الأدبية بكل المقايسس..

لا أستطيع أن أتذكر بعد ذلك كثيرا من التفاصيل الجميلة التي لحقت ذهاب الوليدي وصاحبه، ودخولي أنا إلى البيت، وسبقت اللقاء في المسجد بعد صلاة المغرب، ومن ثم الذهاب إلى المطعم الذي يقابل دوار السفينة من الجهة الغربية، والجلسة التي شبع فيها عقلي من فكر الرجل، بقدر ما شبعت معدتي من عشائه ويزيد، ولكني بعدها أتذكر أننا رجعنا إلى المسجد عندما اقترب موعد إقامة صلاة العشاء فصلينا، وطلب مني البقاء حتى يأتيني بكتب اقترح علي قراءتها، وطبعا مشترطا _ بدعابة أزالت الكثير من الحواجز بيننا منذ تلك اللحظة _ أن أكملها من الجلد إلى الجلد، لكي يكمل من جانبه قائمة الكتب التي قال بأنه لابد لي أن أقرها.
تلك إذن بكثير من الاختصار قصة اللقاء الأول الذي جمعني بالصديق والأخ العزيز الأستاذ ناصر الوليدي، فأثمر مودة متبادلة بيننا، وفائدة كبيرة جدا لي شخصيا، سواء من حيث توجيهه المستمر لي، ودعمي بالكتب ونصحي ومشورته علي، ورعايته لموهبتي الذي كان أول من اكتشفها، أو من حيث أخذه بيدي للتعرف على كثير من الأدباء والشعراء والكتاب الذين تعمقت صلتي بهم فيما بعد.
ولقد وجدت في الوليدي الرجل الإنسان، الذي يجمع بين نبل الموقف، ورهافة الشعور، منكرا لذاته دائم الشعور بتقصيره تجاه أصدقائه، إلى ذلك هو الشخص الوحيد الذي استطاع بسماحة نفسه، ونبله وحبه للناس، أن يشكل نقطة التقاء يجتمع عندها معظم الأدباء وخاصة من فئة الشباب، على اختلاف أفكارهم ومناطقهم، وميولهم الأدبية، وحتى توجهاتهم الحزبية وقناعاتهم الفكرية المختلفة.



شاركنا بتعليقك

شروط التعليقات
- جميع التعليقات تخضع للتدقيق.
- الرجاء عدم إرسال التعليق أكثر من مرة كي لا يعتبر سبام
- الرجاء معاملة الآخرين باحترام.
- التعليقات التي تحوي تحريضاً على الطوائف ، الاديان أو هجوم شخصي لن يتم نشرها
الأيام
مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

مؤسسة عدن الغد لحقوق الانسان

ساحة حرة
( الحقيقة كما أراها )   امين بن المغني     كانت السلطة معظمها جنوبية من الرئيس إلى نائب الرئيس إلى
  رغم شحة الامكانيات انتقالي ردفان يبذل اقصى جهوده في خدمه المديريه والنهوض بها نحو الافضل. وهذا جا بعد
كثيرآ من الأحداث السلبية التي تعاصرك تفرز نتائج عكسية لاتتماشى مع الواقع المحيط المكاني والزماني لاي شخص عاش
   استطاع الشماليون إحكام سيطرتهم على مراكز القرار منذ حرب صيف 1994م المشؤومة لأنهم يحملون مشروع احتلالي
لم تسلم قواتنا الجنوبية من سهام الإعلام الأصفر المأجور، ونعرف جميعا أن معظم هذه الحملات يعود للمواقف الثابتة
صراعات مصالح شخصية تدور بشكل منظم داخل القوى والمكونات السياسية تحظى بتدمير البلاد وتعطيل المصالح العامة في
من خلال العنوان الذي يعكس ما كتبته قبل فتره بسيطة من الان حول الوزير احمد الميسري قد يضن البعض بانني رجل مادي
اسف الاسفون عليك ياعدن مماحصل لك من قهر واذلال .   عدن التي عرفتها البشرية كانت مدينة الامن والسلام 
-
اتبعنا على فيسبوك